من هو رجل الدولة

24 مارس، 2026

بقلم: عبد الحميد أسامة الحلو

لا يمكن الحديث عن الجمهورية الجديدة بوصفها مجموعة مشروعات منفصلة أو إنجازات متفرقة، بل هي رؤية شاملة تتجسد في مسار متكامل يمس مختلف جوانب الدولة؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة مشروعات قومية كبرى في مجالات متعددة، شملت تطوير القدرات العسكرية والتسليح، وإطلاق مشروعات اقتصادية تستهدف رفع مؤشرات التنمية في مجالات مختلفة، إلى جانب نهضة واسعة في البنية التحتية من طرق ومحاور وموانئ، فضلًا عن بناء مدن جديدة ومبادرات اجتماعية وثقافية تعكس هوية مصر الحديثة وتستوعب طموحات المستقبل.

واللافت في هذه المشروعات، على اختلاف مجالاتها وتنوع أدواتها، أن هدفها الأساسي كان الإنسان المصري؛ حمايةً لأرضه، وصونًا لمجتمعه، وضمانًا لقدرة الدولة على توفير بيئة آمنة ومستقرة تُمكّنه من العيش والعمل والإبداع؛ فالتسليح لم يكن غاية في ذاته، بل لحماية الوطن ومن يعيش عليه، والمشروعات الاقتصادية لم تُطلق كأرقام في تقارير، بل كوسيلة لتحسين مستوى المعيشة، والبنية التحتية لم تُنشأ لمجرد البناء، بل لتهيئة مناخ الاستثمار وربط الناس ببعضهم وتسهيل حياتهم، وكذلك المبادرات الاجتماعية والمدن الجديدة جاءت لتعيد الاعتبار لجودة الحياة ومفهوم الحياة الكريمة.

ولكن من المهم هنا التأكيد أن الإنجاز شيء، واستمرارية الإنجاز شيء آخر؛ فكثير من المشروعات قد تبدأ بقوة ثم تتراجع أو تتعثر مع الوقت بسبب غياب عنصر الاستمرارية، وهذه الاستمرارية لا تتحقق تلقائيًّا، بل تقوم على وجود شخص، أو مجموعة من الأشخاص، يمتلكون مواصفات خاصة، تمكنهم من حمل المشروع عبر الزمن، والتغلب على العقبات والتحديات، والتكيف مع التغيرات المستمرة في الواقع.

ولذلك، أولت الدولة اهتمامًا واضحًا بملف التمكين والإعداد القيادي في مجالات متعددة، إدراكًا منها أن المشروعات تحتاج إلى كوادر مؤهلة يمكن توظيفها لقيادة هذه المشروعات أو المشاركة في قيادتها بوعي ومسؤولية، وهذا الشخص المؤهل، القادر على الفهم العميق، واتخاذ القرار، والعمل ضمن رؤية شاملة، وهو ما نُطلق عليه هنا مصطلح رجل الدولة؛ ذلك النموذج الذي لديه المقومات لإدارة الحاضر بكفاءة شديدة تساهم في صيانة الإنجازات، وضمان استمراريتها في المستقبل.

من هو رجل الدولة:

ومفهوم رجل الدولة ليس مفهومًا حديثًا، بل هو مفهوم قديم في الفكر الإنساني؛ فقد خصص الفيلسوف اليوناني أفلاطون حوارًا كاملًا لهذا المفهوم، وناقشه بعمق في كتابه الجمهورية، حيث تساءل: ما نوع المعرفة التي يجب أن يمتلكها رجل الدولة؟ وكانت إجابته أن رجل الدولة الحقيقي يجب أن يكون قائدًا فيلسوفًا؛ أي شخصًا يجمع بين التميز الفكري أو الخبرة العميقة، وبين القدرة العملية على إدارة الشأن العام بحكمة واتزان.

وفي العلوم الاجتماعية الحديثة، يُستخدم مصطلح رجل الدولة (Statesman) للدلالة على ذلك الفاعل العام الذي يتعامل مع السلطة باعتبارها وسيلة لخدمة الدولة والمجتمع على المدى الطويل، لا كغاية شخصية أو حزبية، فرجل الدولة يُقاس أثره الحقيقي بما يتركه من إنجازات تستمر بعد خروجه من المسؤولية، لا بما يحققه من مكاسب سريعة أو مؤقتة، ولهذا السبب، غالبًا ما يذكر التاريخ رجال الدولة الحقيقيين بوصفهم صناع مسارات وإنجازات حقيقية، لا مجرد شاغلين لمناصب.

وهنا يجب التنويه على خلط يحدث عند الكثيرين يمكن تسميته بـ”متلازمة رجل الدولة والسياسة”؛ أي الاعتقاد الخاطئ بأن رجل الدولة لا يكون إلا من يعمل في المجال السياسي المباشر أو يشغل منصبًا رسميًا في الحكم، وهذا الفهم ضيق ومحدود يحصر مفهوم رجل الدولة في دائرة واحدة، ويتجاهل حقيقة أن بناء الدول لا يتم من خلال السياسة وحدها، بل عبر شبكة واسعة من الأدوار والتخصصات التي تتكامل فيما بينها، في الاقتصاد والمجتمع المدني والإعلام والشباب وغيرها.

كذلك من سلبيات هذا الخلط وخطورته أنه يُفرغ مفهوم رجل الدولة من مضمونه الحقيقي، ويحوّله إلى لقب وظيفي مرتبط بالمنصب، لا إلى دور ومسؤولية مرتبطة بالأثر والإنجاز، بينما الحقيقة أن رجل الدولة يُعرَّف بما يقدمه لوطنه، وبقدرته على العمل للصالح العام، وباستعداده لتحمل كلفة القرار والمسؤولية، أينما كان موقعه، ولذلك، يذكره التاريخ وتظل ذكراه حاضرة في ذاكرة المجتمع، بينما يهمل التاريخ وينسى المواطن من لم يشعر بأثره وإنجازه.

ودولة بحجم وتعقيد وتاريخ مصر، الممتدة جغرافيًا، والمتنوعة ثقافيًا واجتماعيًا، يستحيل أن تُدار أو تُبنى بعقلية تُمركز رجال الدولة في السياسة فقط، ولذلك، فرجال الدولة الحقيقيون يمكن أن يكونوا في الاقتصاد، أو التعليم، أو الثقافة أو الصحافة أو الفنون، أو الإعلام، أو المجتمع المدني، أو العمل الاجتماعي، أو حتى في الإدارة المحلية داخل المحافظات، وهؤلاء ـ وإن لم يكونوا سياسيين بالمعنى التقليدي ـ فإن أدوارهم لا تقل أهمية، لأنهم يشاركون في تشكيل وعي المجتمع، وحماية هويته، وتحقيق تماسكه، وبناء قدرته على الاستمرار.

كذلك، فإن رجل الدولة الذي نعنيه هنا لا يُشترط أن يكون حاكمًا، أو زعيمًا سياسيًا، أو حتى مسؤولًا حكوميًا يشغل منصبًا رسميًا، فهو “رجل دولة” أي “يستطيع تحمل مسئولية على مستوى كبير”، وقد يكون رجلًا أو امرأة، وقد يكون عاملًا في أي مجال، لكنه يمتلك مجموعة من السمات العقلية والنفسية والتنفيذية التي تجعله قادرًا على إحداث تأثير حقيقي أو إصلاح ملموس داخل مجتمعه ونطاق عمله.

قد نجده في التعليم حين يغير منظومة تفكير أجيال كاملة، أو في الاقتصاد عندما يضع نموذجًا تنمويًا، أو في الثقافة والفنون عندما يعيد تشكيل وعي المجتمع وهويته، أو في المجتمع المدني والعمل الاجتماعي حين يحول الفئات المهمشة إلى طاقة فاعلة في البناء، وقد يكون محافظًا، أو مديرًا محليًا، أو قائدًا مجتمعيًا، أو مهندسًا قدم فكرة غيرت مسار مؤسسة، أو أعادت توجيه قطاع كامل، أو رياضيًّا ومدربًا ساهم في رفع علم مصر في رياضة ما لسنوات.

وخلاصة الأمر هو أن جوهر رجل الدولة ليس الموقع الذي يشغله، بل في شخصيته وعقليته التي يفكر بها، وليس في اللقب الذي يحمله، بل الأثر الذي يتركه.